الشحاذون
الزحام خانق في
محطة الحافلة المستعرة.. وغدت وجهات الناس المختلفة أرقاما ينتظر مرورها
ويؤمل إسراعها..وتأتى الحافلة بصوت ارتجاجها الرتيب
المرتعش.. وبهيكلها المتصدع وقد أصابته شيخوخة
الزمان. خيل إليه
أن نصف المدينة المكتظة ستصعد معه الحافلة حيث انطلق الناس للصعود إلا
قلة..وقد تسابقت أرجلهم نحو الباب الخلفي الأصدأ.. يهيب بهم شعور بالظفر بمقعد. وكذلك حال كل من عرفه ومن لم يعرفه في بلده.. الكل يتسابق
نحو الكراسي.. وفي سبيل ذلك يبدي شراسة وعنفا مشروعين.. تدافع مع
المتدافعين.. ومن يدري؟ فقد يكون من المجدودين اليوم.. تحسس جيبه ليدفع ثمن تذكرة إلزامية... - يا
إلهي.. اكتشف
أن حافظة نقوده قد سرقت منه.. فتساءل عن فاعلها
والحيرة تظلل نفسه.. لعله ذاك الشاب الزائغ البصر..ذو الندبة المعلنة في وجهه
الذي كان خلفه.. أو قد تكون تلك العجوز التي أمعنت
النظر إليه..أو وليدها المقعي على ظهرها الذي أخذ يلتهم مخاطه بنهم..أو... لا
فائدة ترجى من ذلك غلبه حياؤه على الجهر بما حدث..فهرع إلى مقعد..وعمد إليه
بتخاذل في تذمر أخرس.. وتلك ضريبة كرسيه دفعها
غاليا لغير أصحابها... غزت
حاسة شمه النشيطة روائح بشرية مقرفة..حاول شغل نفسه عنها.. حدج فتاة صهباء
بنظرة بلا معنى وكذلك فعلت بتودد جلي..قبل أن يقتادها السيل الجارف ليلقي بها
بعيدا عنه إلى الأمام..فتابعها بعينين جائعتين..فإذا بها قد توددت لغيره. - يا
له من حظ. وزع
عنايته بين المارين أمامه..أجناسا وصنوفا مختلفة..ولكل
ملامح حياة..تستتر خلفها تفاصيل قصة لا تشبه
غيرها.ولكن توحدت مصائرهم داخل هذه
الحافلة الملعونة التي قد تصل.. وقد لا تفعل..تعالت الأصوات الكل يتحدث دفعة واحدة وبسخاء..ولكن صوتا واحدا ما عتم أن أخرس كل الأصوات وشد الآذان
إليه حاول تبين الأمر بفضول باد.. فإذا هو لرجل في
الأربعين.. سمهري القامة.. أزج الحاجبين..شاب فوداه وزين عنقه بربطة زادت منظره أناقة
ووقارا. - لقد
غلبني الاستحياء منكم يا إخوتي.. قد تتساءلون عن سبب قيامي بينكم.. ابني مريض
يا سادة بالقصور الكلوي.. ويحتاج إلى تصفية دم.. وقد استنفذت كل مالي لأجله.. وبعت جل
متاعي..ولكن ..الله غالب طرقت كل الأبواب..ولكنها أوصدت في وجهي..فلم أجد بدا من التوجه إلى إخوتي..
علهم يساعدونني. إن ابني ..عزيزي في مرحلة جد حرجة ما دفعني لمد يدي إليكم.. فلا
تردوها خاوية.. عدوه ابنكم ..ثم في صوت كالمكاء.. -
....إنه يحتضر ويلزم له مصاريف كثيرة لعلاجات عاجلة..أخوتي" ارحموا من في
الأرض يرحمكم من في السماء" و " الله لا يضيع أجر
المحسنين". غلب
الرجل البكاء.. وجف شدقاه..واختنق صوته...وكأنه ابتلع لسانه مع نحيبه..
واستجدت سجوم عينيه وتفاصيل وجهه عطف الآخرين بدلا عنه.. مد يده... فانطلقت الدراهم من كل جهة في تنافس وتسابق قل
نظيرهما. نظر
إلى الرجل في أسف..إذ لم يكن معه ما يعطيه..فكل ما كان معه
قد سرق منه..فقال الرجل بصوته الرخيم: - ومن
لا مال له ..فلا حرج عليه. *
*
*
*
*
جرت عادته أن يروح عن نفسه ليلة السبت كباقي
خلق الله..فثوب أحسن ما لديه..وخرج إلى وسط المدينة بتأنق.. وقادته خطواته
العابثة إلى حانة.. ومن ذا مثله؟ ..فقد قبض مرتبه
أول أمس أحس بانتشاء الثمل وعملت الخمر عملها في رأسه.. فحلق عاليا..في عنان العبث والتخبط ولكن الذي شده إلى الأرض قليلا..
وجه رجل يجلس غير بعيد عنه برفقة فتاة هي الجمال..
وظلت ملامحه المندرئة تلح عليه في إصرار وعناد..
رفع الرجل المخمور...صوته الرفيع بالغناء..فبدت نبرته مألوفة لديه..
نعم إنه هو..انه والد الطفل المدنف.. ولكن ما الذي جاء به إلى هنا للشرب واللهو؟.. لعلها
فرجت.
اتجه إليه يستطلع الأمر.. - كيف
حال ابنك المريض الآن؟
نظر الرجل إليه بطرفه الغضيض باستنكار: - أي
ابن؟ ثم وهو يقهقه في استظراف لم أجد أمه
بعد. -
رباه انه هو المحتال ..لا
فرق بينه وبين من سرق نقودي عليهما اللعنة
*
*
*
*
تقف الحافلة.. وتقوده رجلاه المدربتان على الموقف ليصعد إليها...فيتوجه رأسا إلى مقدمتها.. وقد زانت ربطة
عنقه مظهره.. عج المكان بالأصوات ..ليرفع عقيرته فيخرسها
جميعا.. -
إخوتي،أنا موظف حكومي.. ولقد طرقت كل الأبواب فأقفلت في وجهي.. وغلبني
الاستحياء منكم..لكني لم أجد بدا من التوجه
إليكم..إنه ابني... عبدالسلام
المودني |