|
تـــاتـــور لا..
لن أمكنهم مني..أبدا لن يظفروا بي مهما حاولوا..
البلهاء..يزعمون أني أشبههم..الأغبياء..ليس كمثلي شيء..رغم أنهم يروني مثلهم.. الأوباش. اعلم
أني..ذاهب إلى
حتفي..مقتاد إليه دون إرادتي منزوعها.. لكني سأبقى
صاحب العرف المكلل والتاج الأحمر المتراقص فوق راسي..لأني لست مثلهم..سأبقى
دوما..رغم مناقيرهم.. تاتور الديك الأقوى..صاحب الخم
والدجاجات..رغم سقوطي المفاجئ..والغدر والخيانة.. فإني لن أمكنهم مني.. سأدفع صدري إلى
الأمام..وانفش ريشي المنمق..وأرفع رأسي إلى الأعلى..ولن يضيرني سوء من نظرات
الشماتة والزراية التي
ترشقني..ينسون دوما أنهم لم يكونوا ليجرؤوا حتى على رفع أبصارهم في
حضرتي الجليلة..وينسون من كنت فيهم؟ الفراخ.. لا..
لن أبالي بهم..كما لم أبالي حين سمعت تهامس بعضهم..حين قالوا أني خرجت من بيضة كما خرجوا..تهامسوا بذلك
فحسب..وسمعت عيوني..وآذاني أيام كانت لدي كل هرآئهم البلداء يظنونني نتاج
دجاجة..ألقتني كما ألقت أشياءها.. ليس
لدي حساسة ضد الدجاجات.. بل إني اعشقهن..وهذا ما
سمعت تهامسا بشأنه أيضا..يرمونني بالاحتكار..والشبق..يزعمون أنني استحوذ
عليهن جميعا..ولا أدع واحدة لهم..القساة..يريدون
منعي عنهن..وينتقدون دفاعي عن حقي المشروع..ومع ذلك فانا طيب القلب..متسامح
مع الجميع.. فقد منحتهم لذة رؤيتي أنط على دجاجاتي أمامهم..ولست أدري لما
هيجهم ذلك علي؟ فصرت ألمح العنف..في نظراتهم ليس كلهم طبعا..بل قلة خطرة ..أعرفها جيدا ..كما أراقب كل
تحركاتها..واحذرها حذرا شديدا ..وكلما أحسست خطرا
من احد..أجبرته بقوتي الكبرى على الوقوف بباب خمي..فلا يمضي عليه وقت طويل
حتى تدركه يد صاحب السكين. الجبناء..
أتلذذ بعد ذلك بصراخ استغاثتهم..وتكون تلك هي صرختهم الوحيدة فأنا لا أقبل أن
يصيح غيري في خمي.. ويقولون أني لست لطيفا
معهم..إنهم قساة جدا.. في حكمهم علي.. أليس الخم خمي.. والدجاجات
دجاجاتي.. و
الديكة أعدائي؟
إذا فما العيب أن أتصرف اتجاه الخم كملكي..
والدجاجات كأشيائي..و الديكة كحرب لا تنتهي..وحرص دائم..ألست الأقوى؟ ألست
الأجمل؟ ألست الأكمل؟ أنا
كل ذلك..وأكثر ..ومع ذلك أملك قلبا مترعا بالتواضع..مكتظا بالخير..تصوروا أني لا أحمل لهم الأحقاد التي تحركهم ..والضغائن التي تسيرهم..حاقدون..يعيبون على أني أمنع صياحهم يسمون تلك الأصوات التي قد
تصدر عن صدورهم صياحا.. صحيح أني لم أسمع لأحدهم من
قبل.. وصحيح أن أحدا لم يجرؤ على فعلها أمامي..ولكنها ولاشك ستصيبني
بالدوار..والغثيان.. وسترهق أسماع كل من
وصلته.. لو
استطاعوا فقط الاعتراف بأفضالي عليهم..ألم أكن كريما معهم..وما حاسبت يوما أحدا على نقد حب اللقط..متى شاء؟ فماذا ينقصهم؟
صحيح أني كتمت أنفاسهم..وخنقت أصواتهم..لكني أبقيت على تهامسهم الذي يصلني على كل حال..ومنحتهم
حرية أكثر في مشاهدة..والتفرج على منظري وأنا أنط من دجاجة ..إلى
أخرى. كل
الدجاجات ملكي..ولهن جميعا منزلة واحدة في قلبي..ألم أقل لكم إني أملك قلبا كبيرا؟ إذا فهو يسعهن كلهن.المشكلة لم تكن في..ولا فيهن..فقد كن سعيدات معي.. حتى لأكاد
المح أطياف السعادة..تبرح عيونهن الجميلة المشكلة كانت في فتنة إحداهن..وجمالها
الخالب..الآسر. قد
تعتبرون انتم أيضا..كما كانوا يظنون أني لا أعبأ
بالجمال..ولا أقدره حق قدره..وقد تعتقدون أنهن سواء لدي ..خطأ
أحبتي. دجاجة..لا
أستطيع وصف جمالها..ودلالها..إذ لا يكفي الجمال
في عرفنا..فالدلال يجب أن يكون بقدر الأول وكانت
كل ذلك .. زد .. الذكاء
الخارق .. والولاء الكامل..وذاك ما أعطاها
ثقتي. يتأكد
لي ذلك يوما إثر يوم..وزاد ذلك يوم أتتني تهمس لي أن الشائعات تتكاثر حولي..وان الخطر
سيدهمني إن لم أنتبه له إذ كانت القلاقل قد بدت في سماء خمي..ولم يكن مصدرها
خمي..بل كانت تأتيني من خارجه.. دعوات
سرية للإطاحة بي.. وتأليب الديكة علي..لكنهم جبناء..ولا أحد يقف أمامي في صراع إلا وأطرحه بلا رحمة..الدعوة لم
تطلهم وحدهم..بل أمتد الأمر واستفحل..حسب
دجاجتي..حبيبتي..إلى الدجاجات..الأخريات..وقد
كونّ
منظمة سرية..تدعو إلى المساواة.. ليس بينهن وبين
الديكة فهم كما قالت..سواء في الشقاء..وإنما دعوتهن إلى المساواة بيني وبين
باقي الديكة الآخرين..يردنهم أن ينطوا هم الآخرون
فوقهن..ليس بعيونهم فقط..بل.. الفاسقات.. بيد
أن تاتورتي أتتني عصر يوم تهمس لي بالحل
المخلص..إذ نصحتني ألا أزيد في الشقة بيني
وبينهم..وان علي أن أنزل إليهم..عجبت لذلك عجبا كبيرا إذ انه لأول مرة أدرك أني أقضي في
علوي الحالق وقتا كبيرا.. ولم انزل منه منذ وقت
طويل..إذا كنت صاحب الخم..فكل الخم ملكي..كله..وإذا كنت قويا .. فأنا استطيع ممارسة
سلطتي وقوتي في كل مكان..وسيظل مكاني لي وحدي.. لأنه لم يجرؤ احد على الصعود
إليه أبدا ..الوحيد الذي اقترب مني..كانت تاتورتي.. أمضيت
ليلتي..متفكرا..في نصحها..فهي كانت تنذرني من وقوع
ثورة عارمة ضدي لم أسارع في تهدئة النفوس..والترويح
عن ضغائنها..واستقر بي المقام إلى ضرورة النزول إليهم..وأسفر الصباح عن صياحي
الجميل ودون مقدمات..وبخفتي المعهودة..قفزت إلى حيث
هم.. ورحت اختال أمامهم..مصطنعا اهتماما بأحوالهم.. وكانت علامات ارتياحهم لذلك بادية إذا اخذوا يحفونني
بنظراتهم المحيية..بل أكاد أقول أن الفرحة كانت
تغمرهم..فرحة انقبضت لها وأنا انظر إلى مكاني هناك بالأعلى
..يشغله ديك نزق..أردت الانقضاض عليه ومعالجة أمره..لكني تفاجأت
بالنقر ينهال علي من كل جهة..لم استطع معها صبرا.. فطرحت أرضا..وغابت
نظراتي..وارتدت إلي صورة لقريبي شيسكو شاو الديك
الذي أذعن لهم.. حين أشبعوه نقرا حتى أماتوه..لازلت
أذكر نظرته المغتمة الشاردة تلك وأنا بعد فرخ صغير لن أنساها..ولن
أنظرها..أقاومهم بكل فضلات قوتي..سألقي بآخر ما
املك في المعركة وليكن ما يكون..لكن ذلك أيضا لم ينفعني.. كما لم ينفعني حرصي الشديد..واحتياطي البالغ الذي سيجت به وجودي وأنا الآن وقعت في شرك الغدر
والخيانة.. الخيانة؟
أيكون الأمر مدبرا ضدي؟ وتكون تاتورتي الحبيبة
متآمرة ضدي؟ لا يمكن
فأنا لا أشك في حبها..وصدقها وإخلاصها..نظرت إليها ذليلا..منكسرا اطلب
نجدتها..فإذا ظلال ابتسامة شماتة تلوح منها.. الخائنة الغادرة. هاهي ذي..
تحيط الديك المنتصب مكاني..بغنجها ودلالها الذي
نحبه نحن الديكة..آه لو استطاع أن ينصت
لنصحي..لقلت له.. لا تثق بأحد..أو بشيء..حتى بسلطتك في خمك .فقد
تنقلب عليك في أي وقت.. وأجبرت مذعنا على
الوقوف في ذات المكان الذي أجبرت الكثيرين على وقوفه..أمام مدخل خمي. أقصد ما
كان خمي . وأنتظر يد صاحب السكين التي كانت معينتي
على الفتك بخصومي..هي ذي الآن قاتلتي بلا شك
وتلتقطني بقوة..وتجردني من أحاسيس زهوي..التي دثرت أيامي..وأحس ما أحسه إخوتي الديكة.. وأصيح..ليس
كما تعودت.وإنما فزعا..وخوفا..وتوديعا.. علي
أن أتماسك.. منذ أن رأيت قريبي بتلك النظرات أقسمت
ألا أنظرها ما حييت..فلأتديك..وأظهر أمامهم كما كنت
دوما..مرعبا..واثقا.. لا..
لن أمكنهم مني.. نظرات الشماتة التي تقدح بها عيونهم..لن تظفر بي سأظل بينهم حتى ولو أخذتني يد صاحب السكين..فتاتور الديك لا يموت.. إذ سرعان ما رأيته ينط فوق الدجاجات.. وينقر الديكة
بقوة وعنف..وأدركت انه لقب لمن يقف في ذاك
المكان..وإني لأرى خلفي قد أخذ لقبي كما أخذ
مكاني. عبدالسلام
المودني |